الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
154
نفحات القرآن
والآية السادسة والسابعة تحدثنا بعد الإشارة إلى خلق الإنسان عن تعليمه البيان وما لم يعلم . « الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ » . ( العلق / 4 ) وعلى هذا فهو معلم البيان كما هو معلم بالقلم ، وهو معلم الإنسان ما لم يعلم ، وهذه التعاليم قد تكون تلميحاً إلى التعاليم الفطرية المودعة في باطن الإنسان بشكل معلومات ملخصة وأولية ، وقد تكون تلميحاً للوسائل والأسباب والمقدمات التي جعلها اللَّه في الإنسان ، والتي تمكنه من اختراع اللغة والخط واكتشاف واقعيات الكون الأخرى . وعلى المعنى الأول تكون الآيات شاهداً على بحثنا . جج أمّا الآية الثامنة في البحث فقد تحدثت عن دين الفطرة وأمرت الرسول بأن : « أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حِنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه » . الجميل هنا أن القرآن لم يذكر كون معرفة اللَّه فطرية فحسب ، بل إنّ الدين بجميع أبعاده وجوانبه فطري . والأمر كذلك بالضرورة ، وذلك لتنسيق الموجود بين جهاز « التكوين » وجهاز « التشريع » أي أنّ ما جاء مفصلًا في عالم التشريع ، جاء بصورة مجملة في عالم التكوين ، وعندما يتفق نداء الفطرة مع نداء الأنبياء والشريعة ، فإنّ هذا الاتفاق يجعل الإنسان في طريق الهدى . وسنخوض تفصيلًا في هذا الموضوع عند بحثنا في التوحيد الفطري في المجلد الثاني إن شاء اللَّه . النتيجة : طبقاً لما قرأناه ، فإنّ القرآن المجيد يعتبر « الفطرة » أو « الوجدان » مصدراً غنياً للمعرفة ، وقد دعا الجميع - بتعابير مختلفة - للالتفات إلى هذا المصدر لأهميّته البالغة .